Skip to main content
أفكار

قانون التطوّر — إما أن تتحرّك، وإما أن تنحدر إلى المستوى الحيواني

ثمّة أمرٌ كونيٌّ واحدٌ يخصّ كل إنسانٍ حقًّا. متطابقٌ 100% في الجميع: فيّ، وفيك، وفيه، وفيها. عند بعضهم يتجلّى، وعند بعضهم لا — عند بعضهم تستيقظ هذه القوة، وعند بعضهم تنام العمر كله. وليس هذا تجريدًا صغيرًا يبقى في الرأس — بل ينتهي على نحوٍ ملموس: بتاريخ البشرية، وبتاريخك الشخصي، وبتاريخ عائلتك. أخضوعك لهذه القوة أم تجاهلك لها هو ما يحدّد ما الذي خرج منك. لأنها تسري في أيّ حيوان، وفي أيّ كائن — وهذه هي الحقيقة المرعبة: إن لم تُدرك هذا القانون، فلست إنسانًا، بل أنت في المستوى الحيواني. لأن قانون التطوّر يسري سريانًا سلبيًّا في أيّ وجود. في أيّ وجودٍ كان. تُرغم قوانين الكون كل حيٍّ، وكل ما على هذا الكوكب، وكل كائنٍ، وكل عنصرٍ — على أن يتقدّم إلى الأمام. لا أن يبقى في مكانه. أن ينمو، وأن يكمّل نفسه، وأن يُظهر نسخًا أفضل من ذاته تحت ضغط الزمن والظروف. لا «توقّفات» في الطبيعة. لا وجود لـ«سأقف فحسب، وأتنفّس، ولا أفعل شيئًا، وأبقى كما أنا». ذلك لا وجود له في الطبيعة. كل شيءٍ يتحرّك، أو يفسح مكانه لما يتحرّك. وهنا الجزء الأقسى على الإنسان: نحن النوع الوحيد الذي يستطيع مقاومة هذا القانون. نستطيع أن نقول «لا، لا أريد أن أتطوّر، أنا بخيرٍ كما أنا». الحيوان لا يستطيع — فإما أن يتطوّر، وإما ينقرض النوع. أما الإنسان فيستطيع أن يعلق في المنتصف. أن يعيش 80 عامًا على القالب نفسه بعينه. وليست هذه حالةً محايدةً كما تبدو — بل هي تراجعٌ فاعل. إن لم تكن صاعدًا، فأنت منزلقٌ إلى أسفل تلقائيًّا. لأن كل ما حولك يستمرّ في النموّ — الزمن، والتقنية، والناس الآخرون، والأجيال الجديدة — وأنت واقفٌ في مكانك. والمسافة بينك وبين الواقع تكبر كل يوم. هذه هي اللحظة التي ينحدر فيها الإنسان إلى المستوى الحيواني: لا لأنه صار حيوانًا فجأة، بل لأنه كفّ عن أن يكون أكثر من حيوان. لأن ما يميّز الإنسان عن الحيوان هو بالضبط الاختيار الواعي للتطوّر. الحيوان يتحرّك بالغريزة، لأنه لولا ذلك لمات النوع. أما الإنسان فعليه أن يختار بوعي. وإن اختار «ألّا يتحرّك» — فهو في الحقيقة يختار المستوى الحيواني. مع فارقٍ واحد: الحيوان في الطبيعة يوجد بصدقٍ ضمن بُعده. أما الإنسان الذي رفض التطوّر — فهو أتعس مخلوقٍ على الكوكب، لأنه ملك المورد ولم يستعمله. ولهذا حين أفكّر في الانضباط، وثبات الجهد، والمضيّ قُدُمًا رغم كل شيء — فليس هذا «طموحي الشخصي». بل هو ببساطةٍ السبيل الوحيد للبقاء إنسانًا بالمعنى الكامل للكلمة. أما الخيار الآخر — فهو تحوّلٌ بطيءٌ إلى شيءٍ أقلّ منك.

جاءتني هذه الفكرة في شاطئ كاتا، في بوكيت، أثناء وابلٍ غزيرٍ من المطر. كنت أمشي على الشاطئ نحو عارضة العُقلة — لأشدّ نفسي عليها وأؤدّي تمارين الصباح. مطر، لا أحد يمشي، وأنا أمشي. في تلك اللحظة بالضبط تجمّع هذا كله في رأسي.